رسالة إلى بريد الأهرام بتاريخ 17/2/2011
أبعث إليكم لأفرح مع المصريين، لكننى أريد أن أقول لكم شيئا:
فيما يتعلق بالسياسة، أنا إمعة، لم أكن أهتم بالحزب الوطنى، ولست مهتما بنشاط الإخوان المسلمين بمجلس الشعب، وحينما بدأت الثورة لم أنزل إلا لأننى أحسست بوجود ظلم وقع على الناس: رأيته فى عين جارتنا أم محمود التى أخذوا ابنها لأنه أطال لحيته وأصبح متزمتا أكثر مما اعتدنا فى تفاصيل الدين، حتى أسموه سلفيا، وأنا لا أعرف الفروق بين هذه المسميات للأمانة، لكننى وجدت هذا الشاب الذى طال عوده حتى فاقنا نحن الأكبر منه سنا فى طوله، ثم أطال لحيته لتفوق الحية التى كنا نراها من المتدينين قبل ذلك، وجدته يبكى بكاء مرا لا يستطيع أن يخفيه، بعد عودته لأحضان أمه المكلومة ببعاده، والتى لم تعلم أين ذهبوا به، بعد أن داهموا بيتهم قبل الفجر بأسلحتهم، فروعوهم وأخذوا الشاب اليافع لمكان غير معلوم، ولأمد لا يعرف مداه، لكن الله سلم فعاد بعد أسابيع لكونه شخص عادى خجول لا تجده يصنع شيئا سوى الذهاب لكليته والمسجد. لم أنس نظراته والتى تأكدت بعدما نزل الناس للتحرير ونزل معهم، وحكى لى عما رآه داخل زنزانتهم من إهانة وأذى، ربما كان أقل مما لاقاه غيره ممن يشتبهون أنهم أشد خطرا على الأمن بلحاهم تلك. هذا الظلم دفعنى لأنزل فأعترض على هذا النظام الذى يأخذ الناس بالظن. هذا فقط.
وأنا نفسى ليس لى تعامل سياسى، لكننى كنت يوما بعد يوم أحس بأن أسباب الرزق تضيق وتجعلنا ندور فى ساقية لا تتوقف، ولعل المظاهرات أعطتنا هدنة من الركض الدائب الذى جعلنا ننكفئ على وجوهنا ولا ندرى إلا أننا يجب أن نلبى احتياجات أسرنا من مطعم وملبس ومطالب الدراسة التى ما عادت تنتهى. وها نحن ننزل للشارع قبل أن أذهب التحرير فى المليونيات، لنحرس أبواب بيوتنا وشوارعنا فى لجان شعبية أعادت لنفوسنا شيئا افتقدناه، فها هم الجيران يلتقون عند أبواب بيوتهم فيتعارفوا ويتعاونوا فى أمر مشترك، ولا يحسوا بالخوف وحدهم وهم منعزلين، بل يروا الخطر فيواجهوه مجتمعين، وإذا بنا نمسك شابا معه السلاح، وهو الذى يخاف منا ويركض محاولا الهروب، فتتكتل عليه جموع الناس بالشارع، ويلاحقه الشباب، فيتحول خوفنا أمنا بنزول الشارع، لحمايته، وبتجمعنا فى المساجد لنتفق على أماكن تجمعنا ورديات حراستنا.
صحيح أن السعى على الرزق قد توقف، أو كاد، لكننا كنا نذهب الأيام القليلة لأعمالنا، ونحن نتشوق للرجوع لبيوتنا لمتابعة الشاشة لمعرفة ما استجد، ولست أدرى كيف كان المسؤولون يرون أننا لا نرى إلا الشاشة الحكومية والشاشات كثيرة، على الأقل سنقارن بينها، لكن الله قد أنزل على أبصارهم غشاوة، لكى يصلوا لما وصلوا إليه.
لكننى الآن أجدنى ناظرا للمستقبل الذى أرجو أن يكون خيرا لأبنائى من حاضرى، وأرجو من قادة هذا البلد الكريم على الله أن يبحثوا عن وسائل نشر العدالة لكى لا يظلم أحد فى بلاده فيتركها مجبرا لضيق الأرزاق، ولا هربا ممن يأخذون الناس اشتباها لتدين أو لشكوك فى أنهم يلعبون بالسياسة، التى عشنا سنينا نمنع أبناءنا من أن يقتربوا منها، فإذا بهم يعلمون عنها أكثر مما نعلم نحن. هذا المستقبل الذى يتعجله الكثيرون الآن فينزلون للشارع طلبا لعلاوة أو حافزا حرموه وهم يحسبون أن هذا سيكفيهم والأسعار صاعدة لا تتوقف. لقد اعتدت أن الأسعار لا تقف، والأجور لا تلحق بها، لكننى سمعت من يقول أن الذين يأخذون فى الشهر مليونا هم من جعلوا صغار الموظفين فى فقر وضعف للمرتبات، فما الذى يمنع المسؤولين وقد ذهب من ذهب بأن يهيدوا النظر فى هياكل المرتبات، وما الداعى لكى يقال هذا أساسى وهذه حوافز وهذه مكافئات. إن القطاع الخاص يعطى راتبا على الوظيفة وسنين الخبرة براتب معروف لكل وظيفة، فما المانع من حساب المرتبات بهذه الطريقة البسيطة.
أبعث إليكم برسالتى هذه وأنا أرجو ممن يمسكون بزمام الأمور فى بلادنا أن يلهمهم الله الصواب لصالح أهل البلاد الذين لم يعتادوا أن يصرخوا ليطلبوا حقوقهم، فلا تجعلوهم يستمروا فى الصراخ كثيرا لكى لا تصبح عادة، والسلام ختام.
صبرى المصرى
موظف