Tuesday, April 12, 2011

أنا إمعة



رسالة إلى بريد الأهرام بتاريخ 17/2/2011
أبعث إليكم لأفرح مع المصريين، لكننى أريد أن أقول لكم شيئا:
فيما يتعلق بالسياسة، أنا إمعة، لم أكن أهتم بالحزب الوطنى، ولست مهتما بنشاط الإخوان المسلمين بمجلس الشعب، وحينما بدأت الثورة لم أنزل إلا لأننى أحسست بوجود ظلم وقع على الناس: رأيته فى عين جارتنا أم محمود التى أخذوا ابنها لأنه أطال لحيته وأصبح متزمتا أكثر مما اعتدنا فى تفاصيل الدين، حتى أسموه سلفيا، وأنا لا أعرف الفروق بين هذه المسميات للأمانة، لكننى وجدت هذا الشاب الذى طال عوده حتى فاقنا نحن الأكبر منه سنا فى طوله، ثم أطال لحيته لتفوق الحية التى كنا نراها من المتدينين قبل ذلك، وجدته يبكى بكاء مرا لا يستطيع أن يخفيه، بعد عودته لأحضان أمه المكلومة ببعاده، والتى لم تعلم أين ذهبوا به، بعد أن داهموا بيتهم قبل الفجر بأسلحتهم، فروعوهم وأخذوا الشاب اليافع لمكان غير معلوم، ولأمد لا يعرف مداه، لكن الله سلم فعاد بعد أسابيع لكونه شخص عادى خجول لا تجده يصنع شيئا سوى الذهاب لكليته والمسجد. لم أنس نظراته والتى تأكدت بعدما نزل الناس للتحرير ونزل معهم، وحكى لى عما رآه داخل زنزانتهم من إهانة وأذى، ربما كان أقل مما لاقاه غيره ممن يشتبهون أنهم أشد خطرا على الأمن بلحاهم تلك. هذا الظلم دفعنى لأنزل فأعترض على هذا النظام الذى يأخذ الناس بالظن. هذا فقط.
وأنا نفسى ليس لى تعامل سياسى، لكننى كنت يوما بعد يوم أحس بأن أسباب الرزق تضيق وتجعلنا ندور فى ساقية لا تتوقف، ولعل المظاهرات أعطتنا هدنة من الركض الدائب الذى جعلنا ننكفئ على وجوهنا ولا ندرى إلا أننا يجب أن نلبى احتياجات أسرنا من مطعم وملبس ومطالب الدراسة التى ما عادت تنتهى. وها نحن ننزل للشارع قبل أن أذهب التحرير فى المليونيات، لنحرس أبواب بيوتنا وشوارعنا فى لجان شعبية أعادت لنفوسنا شيئا افتقدناه، فها هم الجيران يلتقون عند أبواب بيوتهم فيتعارفوا ويتعاونوا فى أمر مشترك، ولا يحسوا بالخوف وحدهم وهم منعزلين، بل يروا الخطر فيواجهوه مجتمعين، وإذا بنا نمسك شابا معه السلاح، وهو الذى يخاف منا ويركض محاولا الهروب، فتتكتل عليه جموع الناس بالشارع، ويلاحقه الشباب، فيتحول خوفنا أمنا بنزول الشارع، لحمايته، وبتجمعنا فى المساجد لنتفق على أماكن تجمعنا ورديات حراستنا.
صحيح أن السعى على الرزق قد توقف، أو كاد، لكننا كنا نذهب الأيام القليلة لأعمالنا، ونحن نتشوق للرجوع لبيوتنا لمتابعة الشاشة لمعرفة ما استجد، ولست أدرى كيف كان المسؤولون يرون أننا لا نرى إلا الشاشة الحكومية والشاشات كثيرة، على الأقل سنقارن بينها، لكن الله قد أنزل على أبصارهم غشاوة، لكى يصلوا لما وصلوا إليه.
لكننى الآن أجدنى ناظرا للمستقبل الذى أرجو أن يكون خيرا لأبنائى من حاضرى، وأرجو من قادة هذا البلد الكريم على الله أن يبحثوا عن وسائل نشر العدالة لكى لا يظلم أحد فى بلاده فيتركها مجبرا لضيق الأرزاق، ولا هربا ممن يأخذون الناس اشتباها لتدين أو لشكوك فى أنهم يلعبون بالسياسة، التى عشنا سنينا نمنع أبناءنا من أن يقتربوا منها، فإذا بهم يعلمون عنها أكثر مما نعلم نحن. هذا المستقبل الذى يتعجله الكثيرون الآن فينزلون للشارع طلبا لعلاوة أو حافزا حرموه وهم يحسبون أن هذا سيكفيهم والأسعار صاعدة لا تتوقف. لقد اعتدت أن الأسعار لا تقف، والأجور لا تلحق بها، لكننى سمعت من يقول أن الذين يأخذون فى الشهر مليونا هم من جعلوا صغار الموظفين فى فقر وضعف للمرتبات، فما الذى يمنع المسؤولين وقد ذهب من ذهب بأن يهيدوا النظر فى هياكل المرتبات، وما الداعى لكى يقال هذا أساسى وهذه حوافز وهذه مكافئات. إن القطاع الخاص يعطى راتبا على الوظيفة وسنين الخبرة براتب معروف لكل وظيفة، فما المانع من حساب المرتبات بهذه الطريقة البسيطة.
أبعث إليكم برسالتى هذه وأنا أرجو ممن يمسكون بزمام الأمور فى بلادنا أن يلهمهم الله الصواب لصالح أهل البلاد الذين لم يعتادوا أن يصرخوا ليطلبوا حقوقهم، فلا تجعلوهم يستمروا فى الصراخ كثيرا لكى لا تصبح عادة، والسلام ختام.
صبرى المصرى
موظف

رسالة إلى عصفورة



          عزيزى العصفورة،
                             تحية طيبة ثورية، وبعد
أعلم أنك تفاجأت بالأحداث، وحاولت جاهدا السيطرة على مشاعرك المتوجسة من تحركات الشارع الجماعية العاصفة، فلطالما تعودت أن الأمور بيد من يمسك الزمام، ولطالما أكد لك الممسك بالزمام أنه لا يمكن أن يفلت من أيديهم، فلهم فى ذلك فنون تعلموها فى أرق الدول وأقواها، ولكل واحد عندهم ملف وطريقة للتعامل، وهم بذلك يمسكون جميع مفاصل الحياة فى البلاد من أقصاها لأقصاها. ولطالما كان إيمانك بكفاءتهم محل إعجاب يظهر فى عيونك عندما تقابلهم، إعجاب ممزوج بالخوف من أن يقلبوا عليك، وممزوج أيضا بالرغبة فى اقتسام السلطان والسطوة معهم، ولست من النوع العنيف ولا دخلت المعترك من بابهم، لذلك فقد فضلت أن تتدرج تحت حمايتهم وبتوجيهاتهم  لكى تصل يوما إلى مناصب وصل إليها سابقوك، ويا لك من حزين أن الأيام لم تمهلهم ليكافؤوك المكافأة التى تنتظرها، صحيح أنك أخذت منهم مكاسب تكفيك على مشقة الطريق الطويل، لكن الجوائز الكبرى لا زالت آمالا عريضة تتمناها وتجهز نفسك لها، لكن أوامرهم تحيط بك فى صحوك ونومك، حتى أنها بمرور الأيام تجعل منك ألعوبة بأيديهم، لا تستطيع التصرف فى مواقف مفاجئة مثل الأحداث الأخيرة.
          عزيزى العصفورة،
لطالما أعطيتهم تقاريرك الوافية عن زملاء لك تتوجس من أنشطتهم المثيرة للفتن، ولطالما غذوك هم بمعلومات ومبادئ تجعلك ترى المخالفين لهم فى التفكير إما أعداء لمصلحة الأمن القومى للبلاد، أو مغيبين ويحركهم الأوغاد الكبار الذين يمزجون أحلام هؤلاء الشباب فى الحرية أو الشرعية الدينية بمصالحهم التى يمهدون لها ليقلبوا نظام الحكم فى بلادنا الآمنة، التى يضحون هم فيها بأوقاتهم ونزيف قلوبهم، ليمنعوا عنها المكائد والانقلابات. ولا شك أنك لا تزال ترى أنهم صدقوا فها هم الثوريين الفوضويين قد أرغموا أصحاب السلطان على اتباع أوامر ديكتاتورية للجموع ليغيروا ملامح النظام والدني التى عرفتها وخبرتها، فيا لهم من أوغاد لا يؤمنون.
لكننى أطمئنك، فبلادنا لا تزال بلادنا جميعا، إذا كنت ظننت أن الترقى فيها لا يأتى إلا من خلال أبوابهم، فباب بلادك أوسع من بابهم الضيق الذى لا يسع إلا عصافير ومحاسيب وقطيع مغيب أو مستأنس، ولا تزال بلادك تحتاجك، ولكن وفق قواعد جديدة، لا تحتاج لتقارير ولا لحسابات ضيقة تصنف الناس لتعلم كيف ستكون ردود أفعالهم، فترفع أقدارا وتخفض أخرى غير عابئة بما يعتمل فى نفوسهم من إحساس بالغبن وانسحاب العدالة يوما بعد يوم، فهم لم يسمحوا لأحد أن يحاسب وفقا لعمله فقط، بل طبقا لحساباتهم تلك التى أفلحوا فأقنعوك أنها مقدسة وعلوية المصدر. لهفى عليك من مرتبك، لا شك أنك تمر بأزمة تجعل الأمور غائمة أمام عينيك، لكن طب نفسا فلست الأخير الذى يمر بهذا، واحمد الله أنك لم تصبح رأسا فى هذه الأيام الخداعة، وإلا لكنت من المبتورين، لكنك اليوم تستطيع أن ترجع للقواعد الأصلية التى أوهموك أنها قد درست وانمحت: الاحتكام للعمل الجاد المخلص!
أحقا ما أقول، لا شك أنك تنظر لكلماتى وأنت تتعجب، وتساءل نفسك: "هل سينسى من عرفونى ولم يخدعوا أننى كنت عصفورة أكيد لهذا وأضر هذا فى مسار حياته، ويعرف الناس سطوتى المستمدة من هؤلاء المحتجبين فيخافوا نقمتى وبطشتى؟ هل سأستطيع حتى إن نسى الذين أضررت بهم مظالم قلت أو كثرت أن أرجع للكتالوج الأصلى للإنسان، وأنه يقدر حسب عمله فقط؟ وهل سيستطيع عقلى التكيف مع هذا بعد أن اعتدت أن أكسب وأن أعلم قبل الناس ما سيحدث من المطبخ؟ أذكر أننى أخذت تجارب ليست بالجميلة حينما تكتل على مجموعة ممن شايعتهم لأزيح بهم آخرين، فردوا لى الضربة وهم منى قريبون، لست أدرى أفعلوها خوفا أم طمعا؟ لكنها كانت تجارب مريرة لا تترك لى المجال لأن آمن أن العدل سيعود بهذه البساطة التى تحدثنى بها."
أقولها لك صريحة:إن العدل لم يختف، لكنك لم تر يده القادرة الممتدة لتفاصيل الحياة والمختفية فى إمهال الوقت الخداع، فظننته قد ذهب لخطايا الناس الكثيرة، ولم تر مكافآت القدر لهؤلاء الممسكين بأهداب الصواب، ولست أدرى هل البيئة المنزلية تحكمنا فحسب، بل لعل البيئة العملية الفاسدة أشد ضررا علينا من أهلنا ولو كانوا فاسدين. لست أجد الفرصة قد ضاعت منك، فلا تتردد وشارك دونما خداع أو أضاليل مما تعرفها جيدا، فأنت قد رأيت أنها لن تلبث أن تتحطم على صخرة العقاب الإلهى الذى يأتى من المأمن، فمن أمن الجيوش لم يأمن الجموع، ومن أمن الجموع لم يأمن الجيوش، ويالها من تصاريف الحكيم العليم، فهلا اعتبرت.
إمضاء
حريص عليك