قامة مديدة تخرج للنور من دياجير الظلام، لتقود مجموعة من الحرافيش، هكذا تصور الضعفاء وقليلى الحيلة بطلهم المنتظر، لكن الأمر هذه المرة خرج عن التصور. كان مديدا لكنه منخفض الصوت، ليس له مزايا تجعل منه نجما ومرغوبا، لذلك اكتفى بتذكير المقربين منه أن الأمر يتوقف على أن يجتمعوا فى مدخل الحارة قرب الزاوية والتكية، وأن يبقوا هنالك دون كثير من الدماء، عليهم أن يتركوا شومهم بالبيوت ويخرجوا بأنفسهم راغبين فى هزيمة الفتوة المتجبر المتلفع بهالة الطيبة التى تملأ وجهه وبقصر ذات اليد الذى يدعيه، حتى أغرق الحارة فى حالة من التململ التى لم يشهدها من حضروا عصور فتوات كبار.
هذا المتدروش حمام المكارى، كان كما عهد عن الفتوات الطيبين يجلس ليلا أمام التكية يستمع لأنغام الدراويش المختفين عن العيون، لكنه يملأ نهاره بمشاوير الانتقال من حارة لحارة، فهو كمكارى لا بد له من زبون يأخذه من حارة لعطفة لزقاق. قال عنه رجال الفتوة ومحاسيبه أنه نصف رجل وأنه يخفى خلف طيبته جاسوسا بعث به أبو البركات فتوة العطوف لينقل أخبار الحسينية قبل أن يكبس عليها بغشومية لم يعرف لها نظير منذ عهود مضت، فنزلت الفتونة بهذه المعركة للحضيض الأسفل.
أما فتوة حارتنا الذى تململ الناس من طول بقائه فى كرسى الفتونة: مبروك الطيار، ذو الوجه الطيب واليد الخيرة خاصة فى أول عهده بالفتونة، لكنه بمرور الوقت كان يتعلل بأن ما يأتى من الإتاوات لا يكفى حرافيش الحارة، حيث أن أغنياء الحارة هجوا منها فى عهود أسلافه خوفا من عدلهم ويأسا أن يحوزوا المكان والمكانة فى حارة صغيرة وفقيرة، رغم أن حارتنا تقع على مفترق الطرق بين الحسين والدراسة، لكن الحارات البعيدة عن ازدحام الحرافيش استحوذت على علية القوم بمرور الأيام. لذلك أصبح فقراء الحارة يتمنون أن يذهبوا لحارة من هذه الحارات الغنية للعمل باليومية ولو مرة كل أسبوع تكفيهم عن مشاق العمل بالسحاتيت التى يجنوها داخل حارتنا.
ياله من حظ عاثر لأبناء حارتنا أن يكونوا فى هذا الوضع بعد فترات مزدهرة كان القاصى والدانى يعتبر فتوتها هو كبير فتوات الحسين جميعا، لكننا الأن لسنا فى زمن الحسين بعد امتداد العمران، بالرغم من المقبلين على زيارته صباحا وعشيا، وهم ولا شك يمثلون دخلا لتجارنا وحرافيشنا، لكنهم ينظرون إلينا من عل كأنما هم من طينة ونحن من طينة أدنى.
كان حمام المكارى قد انقلب عليه حرافيش الحارة يخوّنونه فاختفى من حارتنا فى أغلب الوقت، لكن كيف وصلت كلماته دون إشارة إليه؟
وقف الفتوة مبروك الطيار فى وسط الحارة فى زفة لم نرها منذ سنين بالحارة، كان هدفها كما عرفنا خلال أيامنا المملة أن يوطد الأمر لولده من بعده فى الفتونة. وكان عزوز صبيه وصديق ولده هو من نظم هذه الزفة المتنفخة التى جمعت كل رجاله وطردت مجموعات الحرافيش الساخرين الذين لا يجدون إلا الأراجوز ليلسّنوا على مبروك وولده، فاستطاع عزوز أن يكسر نصبة الأراجوز، وفرق محركوه، مما جعل جميع حرافيش الحارة يقولون إنه سينصب ابنه فتوة خلال أيام قليلة. لكن القدر كان له ولولده بالمرصاد فقد حدث أن حارة قريبة من حارتنا طردت فتوتها بليل فخرج مترقبا يخاف ويبحث عن مأوى فى أى حارة من الحارات تحت حماية فتوتها كرجل عجوز ضعيف لا كفتوة عالى الشأن.
وقف رجال مبروك بالمرصاد لكل من يجتمع. كانوا إذا رأوا ثلاثة تابعوهم، لكن الحرافيش أشاعوا أنهم سيجتمعون عند مدخل الحارة أمام السبيل والزاوية والتكية، ونشروا الخبر حتى أن رجال الفتوة أرهبوا كبار السن من الحرافيش وهددوهم بالسحل والجرسة إن هم نزلوا مع شباب الحرافيش، حيث أن العاقبة ستكون عكس ما يريدون فنحن لسنا كحارات ضعيفة مجاورة. ويوم التجمهر اجتمع الشباب الذين كانوا يتحلقون حول الأراجوز وكثير من يظن أنهم سيمضوا لحالهم سريعا، لكننا وجدنا شبابا كثر يجتمعون معهم بل اجتمع مع الفقراء المعهودين أبناء التجار المياسير الذين لم يستطيعوا بسخاء أيديهم أن يكفوا الأفواه التى بدأت بالأنين من الجوع الذى أصبح شبحه يتهدد الحارة. وحاولوا أن يظلوا بمدخل الحارة بعد مغيب الشمس فوقف لهم رجال فتوتنا بالمرصاد، حتى فضوا جمعهم، لكن الاجتماع الكبير كان حافزا للحرافيش على أن يجمعوا أنفسهم بعدها بيوم وهم مصممون على البقاء على الأرض، ويومها حدثت معارك لم تشهدها حارتنا منذ أيام المعارك الكبيرة مع الحارات المجاورة. كانت المعركة بين أهل الحارة وفتواتها: أهل الحارة بلا نبابيت، والفتوات جمعوا كل أسلحتهم، ومنهم من حمل طبنجة ليفرق الجمع، واستخدمه بعضهم ليكون هناك ضحية تخيف الجموع المتزايدة. لم تخف الجموع بسقوط مصاب أو اثنين، فقتل رجال الفتوة بعض الشباب فزادت الجموع من ضغطها على الفتوات بصدورهم العارية وببعض الحجارة، وجلسوا على الأرض حتى أشار مبروك لرجاله أن يبتعدوا عن الجموع وبعث بأكبر رجاله والذى يلقب بحكيم الفتوات، لكى يحاول تهدئة الناس وفضهم.
أصر الشباب على البقاء فذهب الفتوات لبيوت بعضهم لسلب ما يجعلهم يرجعون لحمايتها، لكن العواجيز نزلوا ينافحون عن الحرمات حتى اضطر الفتوات للاختفاء عن العيون، وتجمع الشيوخ مع الشباب أمام التكية مطالبين مبروك بالخروج من الحارة. كبر ذلك عليه فحاول تهدئتهم ووعدهم بتوزيع الإتاوات بعدالة مثلما كان فى أول عهده وعهود سابقيه، انفض بعضهم وبقيت قلة، فبعث لهم مجموعة من المتدربين الجدد الذين لم يعرفوا بأنهم فتوات بعد لكى لا يلام عليه، بعد أن وعدهم بالجزرة.
انطلقت العصا من يد الهواه، تظن أن الإرهاب للجموع سيفض القلة الباقية، وبغشم نزلوا فى استعراض بحصان الزفة كأنهم هم الفتوات الحاكمين، لكنهم كانوا فرجة للجميع من شبابيك الحارة، بل إن صيتهم ومعركتهم المستفزة وصلت للحارات التى حولنا فبعث بعضهم لمبروك محذرا والآخر مؤيدا، ونزلت الجموع ثانية وذهبوا لبيت الفتوة الذى لم يستطع إلا أن ينزل هو وولده فى دار تقع فى عطفة جانبية من حارتنا كان يذهب إليه لينسى جلبة الحارة، وأعطى الفتونة لحكيم الفتوات. لكن الناس الغاضبة دخلوا بيته بمجرد خروجه ففوجئوا بالكنوز المخبأة وأخذ أغلبهم يلوم على من حاولوا أن يدافعوا عن مبروك وشيبته، بعد أن اعتبروه يأخذ الإتاوات لنفسه.
جمع حكيم الفتوات هذه الكنوز ووعد بتوزيعها وإصلاح السبيل والزاوية، وبدأ فى تهدئة الناس، ووعدهم أنهم سيختاروا شيخا للحارة بنفسهم، فقد مضى عهد الفتوة الذى يفرض نفسه حاكما للحارة، أما فتوات الحارة فسيكونون مجموعات لحراسة الحارة، دونما طمع فى حرافيش الحارة. ولا تزال الحارة تنتظر أن يختاروا هذا الشيخ المهيب الذى ربما يكون حمام المكارى أو حكيم الفتوات أو أى واحد غيرهم، لكنهم الآن منتشين بانتصارهم على فتوتهم وحارات الحسين كلها الآن تحاول تقليدنا لكى تفعل مثلنا.
هل حقا مضى عهد الفتوة المتجبر من حارتنا، الذى حسبناه فى زمان آخر من المقادير كالليل والنهار. وهل سيقتنع الحرافيش بشيخ للحارة يحرك الفتوات بإشارة دون أن يقف فى وسطهم وهم يقولون له: اسم الله عليه اسم الله عليه. سنرى، اللهم احفظ حارتنا يا رب.