Sunday, July 3, 2011

الحرافيش أسقطوا الفتوة



       قامة مديدة تخرج للنور من دياجير الظلام، لتقود مجموعة من الحرافيش، هكذا تصور الضعفاء وقليلى الحيلة بطلهم المنتظر، لكن الأمر هذه المرة خرج عن التصور. كان مديدا لكنه منخفض الصوت، ليس له مزايا تجعل منه نجما ومرغوبا، لذلك اكتفى بتذكير المقربين منه أن الأمر يتوقف على أن يجتمعوا فى مدخل الحارة قرب الزاوية والتكية، وأن يبقوا هنالك دون كثير من الدماء، عليهم أن يتركوا شومهم بالبيوت ويخرجوا بأنفسهم راغبين فى هزيمة الفتوة المتجبر المتلفع بهالة الطيبة التى تملأ وجهه وبقصر ذات اليد الذى يدعيه، حتى أغرق الحارة فى حالة من التململ التى لم يشهدها من حضروا عصور فتوات كبار.
          هذا المتدروش حمام المكارى، كان كما عهد عن الفتوات الطيبين يجلس ليلا أمام التكية يستمع لأنغام الدراويش المختفين عن العيون، لكنه يملأ نهاره بمشاوير الانتقال من حارة لحارة، فهو كمكارى لا بد له من زبون يأخذه من حارة لعطفة لزقاق. قال عنه رجال الفتوة ومحاسيبه أنه نصف رجل وأنه يخفى خلف طيبته جاسوسا بعث به أبو البركات فتوة العطوف لينقل أخبار الحسينية قبل أن يكبس عليها بغشومية لم يعرف لها نظير منذ عهود مضت، فنزلت الفتونة بهذه المعركة للحضيض الأسفل.
          أما فتوة حارتنا الذى تململ الناس من طول بقائه فى كرسى الفتونة: مبروك الطيار، ذو الوجه الطيب واليد الخيرة خاصة فى أول عهده بالفتونة، لكنه بمرور الوقت كان يتعلل بأن ما يأتى من الإتاوات لا يكفى حرافيش الحارة، حيث أن أغنياء الحارة هجوا منها فى عهود أسلافه خوفا من عدلهم ويأسا أن يحوزوا المكان والمكانة فى حارة صغيرة وفقيرة، رغم أن حارتنا تقع على مفترق الطرق بين الحسين والدراسة، لكن الحارات البعيدة عن ازدحام الحرافيش استحوذت على علية القوم بمرور الأيام. لذلك أصبح فقراء الحارة يتمنون أن يذهبوا لحارة من هذه الحارات الغنية للعمل باليومية ولو مرة كل أسبوع تكفيهم عن مشاق العمل بالسحاتيت التى يجنوها داخل حارتنا.
          ياله من حظ عاثر لأبناء حارتنا أن يكونوا فى هذا الوضع بعد فترات مزدهرة كان القاصى والدانى يعتبر فتوتها هو كبير فتوات الحسين جميعا، لكننا الأن لسنا فى زمن الحسين بعد امتداد العمران، بالرغم من المقبلين على زيارته صباحا وعشيا، وهم ولا شك يمثلون دخلا لتجارنا وحرافيشنا، لكنهم ينظرون إلينا من عل كأنما هم من طينة ونحن من طينة أدنى.
كان حمام المكارى قد انقلب عليه حرافيش الحارة يخوّنونه فاختفى من حارتنا فى أغلب الوقت، لكن كيف وصلت كلماته دون إشارة إليه؟
وقف الفتوة مبروك الطيار فى وسط الحارة فى زفة لم نرها منذ سنين بالحارة، كان هدفها كما عرفنا خلال أيامنا المملة أن يوطد الأمر لولده من بعده فى الفتونة. وكان عزوز صبيه وصديق ولده هو من نظم هذه الزفة المتنفخة التى جمعت كل رجاله وطردت مجموعات الحرافيش الساخرين الذين لا يجدون إلا الأراجوز ليلسّنوا على مبروك وولده، فاستطاع عزوز أن يكسر نصبة الأراجوز، وفرق محركوه، مما جعل جميع حرافيش الحارة يقولون إنه سينصب ابنه فتوة خلال أيام قليلة. لكن القدر كان له ولولده بالمرصاد فقد حدث أن حارة قريبة من حارتنا طردت فتوتها بليل فخرج مترقبا يخاف ويبحث عن مأوى فى أى حارة من الحارات تحت حماية فتوتها كرجل عجوز ضعيف لا كفتوة عالى الشأن.
وقف رجال مبروك بالمرصاد لكل من يجتمع. كانوا إذا رأوا ثلاثة تابعوهم، لكن الحرافيش أشاعوا أنهم سيجتمعون عند مدخل الحارة أمام السبيل والزاوية والتكية، ونشروا الخبر حتى أن رجال الفتوة أرهبوا كبار السن من الحرافيش وهددوهم بالسحل والجرسة إن هم نزلوا مع شباب الحرافيش، حيث أن العاقبة ستكون عكس ما يريدون فنحن لسنا كحارات ضعيفة مجاورة. ويوم التجمهر اجتمع الشباب الذين كانوا يتحلقون حول الأراجوز وكثير من يظن أنهم سيمضوا لحالهم سريعا، لكننا وجدنا شبابا كثر يجتمعون معهم بل اجتمع مع الفقراء المعهودين  أبناء التجار المياسير الذين لم يستطيعوا بسخاء أيديهم أن يكفوا الأفواه التى بدأت بالأنين من الجوع الذى أصبح شبحه يتهدد الحارة. وحاولوا أن يظلوا بمدخل الحارة بعد مغيب الشمس فوقف لهم رجال فتوتنا بالمرصاد، حتى فضوا جمعهم، لكن الاجتماع الكبير كان حافزا للحرافيش على أن يجمعوا أنفسهم بعدها بيوم وهم مصممون على البقاء على الأرض، ويومها حدثت معارك لم تشهدها حارتنا منذ أيام المعارك الكبيرة مع الحارات المجاورة. كانت المعركة بين أهل الحارة وفتواتها: أهل الحارة بلا نبابيت، والفتوات جمعوا كل أسلحتهم، ومنهم من حمل طبنجة ليفرق الجمع، واستخدمه بعضهم ليكون هناك ضحية تخيف الجموع المتزايدة. لم تخف الجموع بسقوط مصاب أو اثنين، فقتل رجال الفتوة بعض الشباب فزادت الجموع من ضغطها على الفتوات بصدورهم العارية وببعض الحجارة، وجلسوا على الأرض حتى أشار مبروك لرجاله أن يبتعدوا عن الجموع وبعث بأكبر رجاله والذى يلقب بحكيم الفتوات، لكى يحاول تهدئة الناس وفضهم.
أصر الشباب على البقاء فذهب الفتوات لبيوت بعضهم لسلب ما يجعلهم يرجعون لحمايتها، لكن العواجيز نزلوا ينافحون عن الحرمات حتى اضطر الفتوات للاختفاء عن العيون، وتجمع الشيوخ مع الشباب أمام التكية مطالبين مبروك بالخروج من الحارة. كبر ذلك عليه فحاول تهدئتهم ووعدهم بتوزيع الإتاوات بعدالة مثلما كان فى أول عهده وعهود سابقيه، انفض بعضهم وبقيت قلة، فبعث لهم مجموعة من المتدربين الجدد الذين لم يعرفوا بأنهم فتوات بعد لكى لا يلام عليه، بعد أن وعدهم بالجزرة.
انطلقت العصا من يد الهواه، تظن أن الإرهاب للجموع سيفض القلة الباقية، وبغشم نزلوا فى استعراض بحصان الزفة كأنهم هم الفتوات الحاكمين، لكنهم كانوا فرجة للجميع من شبابيك الحارة، بل إن صيتهم ومعركتهم المستفزة وصلت للحارات التى حولنا فبعث بعضهم لمبروك محذرا والآخر مؤيدا، ونزلت الجموع ثانية وذهبوا لبيت الفتوة الذى لم يستطع إلا أن ينزل هو وولده فى دار تقع فى عطفة جانبية من حارتنا كان يذهب إليه لينسى جلبة الحارة، وأعطى الفتونة لحكيم الفتوات. لكن الناس الغاضبة دخلوا بيته بمجرد خروجه ففوجئوا بالكنوز المخبأة وأخذ أغلبهم يلوم على من حاولوا أن يدافعوا عن مبروك وشيبته، بعد أن اعتبروه يأخذ الإتاوات لنفسه.
 جمع حكيم الفتوات هذه الكنوز ووعد بتوزيعها وإصلاح السبيل والزاوية، وبدأ فى تهدئة الناس، ووعدهم أنهم سيختاروا شيخا للحارة بنفسهم، فقد مضى عهد الفتوة الذى يفرض نفسه حاكما للحارة، أما فتوات الحارة فسيكونون مجموعات لحراسة الحارة، دونما طمع فى حرافيش الحارة. ولا تزال الحارة تنتظر أن يختاروا هذا الشيخ المهيب الذى ربما يكون حمام المكارى أو حكيم الفتوات أو أى واحد غيرهم، لكنهم الآن منتشين بانتصارهم على فتوتهم وحارات الحسين كلها الآن تحاول تقليدنا لكى تفعل مثلنا.
هل حقا مضى عهد الفتوة المتجبر من حارتنا، الذى حسبناه فى زمان آخر من المقادير كالليل والنهار. وهل سيقتنع الحرافيش بشيخ للحارة يحرك الفتوات بإشارة دون أن يقف فى وسطهم وهم يقولون له: اسم الله عليه اسم الله عليه. سنرى، اللهم احفظ حارتنا يا رب.  

لجنة شعبية (من الواقع)



          كائن خيالى حط رحاله على بيوتنا حينما كان أشجعنا يهتفون بسقوط النظام، لملم المتباعدين، وفتح آفاق الوصال بعد الجفاء، وانتظم الرجال فى سلك بديع على كلمة رجل واحد فدعاهم للتقارب والتفكر فى أحوال بلادهم من على ضفاف الرصيف، فشكلوا لجانهم التطوعية وتحاوروا حواراتهم الألمعية، وقالوا فى فم واحد لوضع حاولوا أن يتكيفوا معه: "كفانا منك وكفاك منا"، فإذا بحيلة من أرادوا بهذا الشعب أن يلتهى عنهم أن يتجمع ضدهم، حتى وهو فى مكانه أمام داره لحمايتها، ولو فكر أقوى أمم الأرض بمشاهدة تجربة ميدانية لتجميع شعب نائم، فليس أبلغ لديه من مشاهدة شريط التسجيل بالقمر الصناعى لشوارع مصر فى هذه الليلة وما تلاها من ليالى الحراسة فى اللجان الشعبية.
أوقفنى برفق شديد، وأخبرنى أن الجيش قد طالب الناس بتكوين لجان شعبية لحماية البيوت والشوارع، بعد أن أصدر الحاكم العسكرى أمره بنزول الجيش لحماية المنشآت الحكومية، وبعد انسحاب الشرطة من الشارع، واحتراق الأقسام، فأصبحت البيوت والشوارع مكشوفة للبلطجية وقطاع الطرق والمجرمين، خاصة أنهم قد حازوا قطع السلاح الخفيفة من مسدسات ورشاشات آلية، بل وتصور البعض أنهم قد استولوا على مركبات الشرطة، ولهذه قصة تحكى، فقد رمى طالب ثانوى بزجاجة مولوتوف صنعها شباب اللجنة الشعبية على مركبة مصفحة تخص الشرطة مرت بجوارنا فى الشارع العمومى، القريب من معسكر للأمن المركزى والذى أشيع أن المسجلين والمجرمين قد سطوا على أسلحته، بل وهاجموا بيوتا فى عمارات الشرطة المجاورة له، بل واغتصبوا نساء فى هذه العمارات التى يسكنها ضباط للشرطة!!
          أما العجب الذى أثارنا أكثر من كل هذه الحكايات التى ملأت الإعلام وأفواه الناس جميعا، أن قائد المركبة الذى حاول حماية نفسه بإطلاق دفعة أو اثنتين من الرشاش الآلى الذى بيده فى الهواء لتفريق المهاجمين من اللجان الشعبية، ولم يستطع فى النهاية إلا أن يلجأ للمسجد الكبير بمنطقتنا عند صلاة الفجر ليبرز للمصلين هويته كضابط شرطة يعمل بل وهو فى مهمته للحماية، لا مجرد دخيل سطا على أسلحة الشرطة الثقيلة.
          هذا الشاب الذى دعانى ودعا غيرى من سكان المنطقة كان شابا لطيفا يعمل بوزارة حكومية وأتى بزوجته ليكونا بجوار أهلها، ولا يظلا وحيدين فى هذه الظروف الملتبسة فى مناطق نائية عن التجمعات السكانية الكبيرة. تعرفت إليه وإلى كثيرين لم أكن أعرف بأشخاصهم وربما وجوههم أيضا كانت غائبة برغم الجيرة. كلنا يجرى خلف لقمة العيش مثلما عودنا نظام بلادنا السابق، فإذا بنزول الجيش وطلبه للناس بتكوين هذه اللجان الشعبية قد أعطانا الفرصة لأن نأخذ هدنة من الكفاح غير المسلح خلف لقمة العيش، ونبدأ الكفاح المسلح نحو خوفنا بتجمعنا ممسكين سكاكين المنازل والعصى الخفيفة والثقيلة، فى محاولة لصد أى هجوم محتمل على البيوت والأهالى الذين تركتهم الشرطة بلا حماية، فإذا بنا نكتشف أنهم قد أعطونا حماية شديدة القوة بنزول هذه اللجان أكثر بكثير من حماية الشرطة التى لم تكن تقوم بدوريات فى شوارع مصر الجانبية، خلال أيام عملهم قبل الثورة، بل لعلها كانت تقوم بدوريات خفيفة تتناسب مع معدل الأمان العالى بمصر تدور فيها فى الشوارع العمومية أو ترسى فى مكان يجاور منشأة هامة أو بنك من البنوك.
          أنزل ببالطو يشبه ذاك الذى كان يلتحفه المخبرون قديما، وفى جيبه ساطورا منزليا وفى الآخر شاكوشا، فأجد حراس العقارات مجتمعين مع الشباب، وبعض الشيوخ ومجموعات من المراهقين يتسامرون فى ليالى الشتاء فى يناير، حول نيران صديقة تصلح للتدفئة وتسخين الماء لعمل الشاى، الذى جاءنا من البيوت ومعه مشروبات ومأكولات أخرى يشجعوننا بها. قسمنا الورديات فى أول الليل وآخره حتى موعد التجول، وجلبنا جذوع الأشجار والبراميل القديمة لعمل حواجز شعبية، نوقف السيارات ونرى إثبات الشخصية، ويقوم حاجز بعد حاجزنا بمائة متر أو أكثر بنفس المهمة التى تضجر أى آت بسوء. اتفقنا على عمل علامة للمجموعة لكى لا يندس خارج بيننا، فتعصبنا بعصابة بيضاء حول الرأس.
          لكننى اكتشفت أن اللجان الداخلية للشوارع الجانبية لم تكن هى هدف المندسين، بل كانت اللجان الموجودة بالشوارع الرئيسية، والتى كانت تمثل الأماكن الأهم والمحورية لعمل اللجان الشعبية. كنت أتجول لمعرفة أخبار اللجان المجاورة ولأن بها كثيرون ممن أعرفهم منذ أيام الدراسة. وبالشارع العمومى كانت المتاريس الكبيرة والتجهيزات المعقدة، فهذا محل يوجد لدى صاحبه مسدسا جلس به فوق سطحه بالدور الأول من الشرفة، وذاك ضابط من الشرطة وقف ليحمى بيته  بنفسه. وزجاجت المولوتوف كانت جزءا من تزجية الفراغ، خاصة للمراهقين الذين يرون فى الأمر معركة تلوح فى الأفق.
          المساجد كانت نقاط تجمع وترتيب للأوضاع، ولأماكن حماية الشوارع الكبيرة، والمسيحيين الذين لم نكن نختلط بهم لأنهم قليلون فى منطقتنا أصبحوا زملاء حراسة وتقاربنا منهم بما يكفى لأن نرفض أى تحريض نحوهم. فى لجان الشارع العمومى، رأيت بأم عينى ضباطا بلباس مدنى، ومعهم سلاحهم الشخصى فقط، منهم من أخبرنا أن هناك سيارة إسعاف بها مسلحين، ولما طال الانتظار وكانت تلك الرواية هى السابعة عشر أو ربما العشرين، فقد وصلت لإحساس أنها شائعات هدفها مجرد إخافة اللجان التى تتكاتف أكثر بإحساس الخوف، فهو مفيد لها، خاصة وأن أعداد الفوضويين المأجورين لن تماثل بحال أعداد المتجمعين فى اللجان، وهم يتناقصون بفعل تسليمهم لرجال الجيش لسجنهم بسجن الإدارات العسكرية والسرايا الموجودة بالقرب من كل منطقة.
مع مرور يوم فثان بدأت محلات بفتح أبوابها خلال حظر التجوال فأعطت أمانا للجان وزودتهم ببعض المؤن الخفيفة. ذهبت مع عم لى بالمعاش لنطلع على أحوال اللجان التى بالشارع العمومى، فقابلنا الرجال المختلفين، وتسامرنا حول تاريخ مصر وحاضرها، وما نتمناه لها، وما هى رؤيتنا لردود الأفعال السياسية وما يمكن لأهل السلطان أن يبذلوه لشعبها، فى موقف لا يحسدون عليه. قابلنا من تعاطف مع الرئيس، لكن الكثيرون كانوا يرون العيوب التى تراكمت بفعل طول الأمد، كما أن الشباب كانوا هم الغالبية فى هذه اللجان وهم ينتظرون أفعالا تحدث تغييرا يتشوقون له.
انقلبت كفة التوازن لحساب الرئيس مرة واحدة يوم خطب وقال أنه لم يكن ينتوى الترشح لفترة قادمة، وكان معها استقالة ولده من الحزب الحاكم، فكان أهل الحكمة من كبار السن يرون أننا قد حصلنا على ما لم نكن نحلم به، فبدأ الكثيرون فى الترقب، فإذا بأهل السلطان ومن ناصرهم يذهبون بزفة بلدية يقودها جمل وحصان، مع مجموعة من رماة الحجارة ومهاجمى المعارك الشعبية المتمرسين على جولات الانتخابات، ليفضوا من تبقى بالميدان، وكانت الفضيحة على مرأى ومسمع من العالم أجمع، مما أرجع رجحان الكفة للرافضين ثانية بكل سلاسة وبدون مجهود.
ذات يوم أشيع أن المليونية ستتوجه للقصر الجمهورى، فأشاعت قوات الجيش والشرطة (التى كانت قد بدأت فى التواجد مرغمة مع الجيش) أنها ذاهبة فى خدمة بالقرب من القصر الجمهورى، وأننا مطالبون بحراسة صباحية. اكتشفت فى اليوم التالى أنها كانت محاولة لمنع المتظاهرين من الذهاب للمليونية، وقابلت الراجعين من المليونية مع دخول مواعيد حظر التجول أثناء ساعات الليل. يا للعجب مما نراه يحدث بتلقائية لم نعهدها، وبسرعة لم نتوقعها.
          فى اللجنة الشعبية كان يجتمع المدرس حديث الزواج بجوار المحاسب ومندوب توصيل الوجبات للمنازل. الطبيب الكبير مع البناء السابق، ومبرمج الكمبيوتر مع الجناينى مع المحاضر بكلية الهندسة والحاصل على الدكتوراه من أمريكا حديثا، ومدير التسويق مع مندوب المبيعات الآتى من ليبيا حديثا. هذه هى مصر التى سمعنا عنها فى حرب أكتوبر آخر مرة. لقد وصل الأمر أن المجرمين فى بعض الأماكن كانوا قادة اللجنة والمنظمين لقوى الرجال وتحركاتهم، فانقطعت السرقات والجرائم طيلة ثلاثة أسابيع حاسمة فى تاريخ بلادنا الذى ظنناه دخل ماسورة للصرف الصحى فانحشر فيها، فإذا بسيل عذب من الماء الجارى ينهمر من آخر هذه الماسورة المتهالكة ليخرج لنا أفضل ما فى معدن الشعب المصرى.

ثورة ثورة



          
كان آخر من ركب قطار الثورة، ولم يكن قد لحق أوان المعارك الكبرى، فصنع لنفسه معاركه الجديدة فى زمان مختلف، فهو يشعر بأنه زعيم تستدعيه الأحداث. حارب وهادن وحوصر وباغت، لكنه يظل شخصية تستدعى الاندهاش لغرابته، ولهيئته وما تطلق شفتاه من تصريحات. فماذا ينتظر العالم منه وماذا ينتظر هو من القدر؟!
          صحراء هادئة تتهادى فوق رمالها الأشعة الذهبية فى تؤدة لا يقطعها ملل، وآبار متجاورة تتخللها مواسير تقطع الصحراء لآلاف الأميال والكيلومترات، وسيارة تقف بجوار خيمة أصبحت رمزا. أين سيتحول المشهد، وكيف ستنقلب الصحراء المترعة بالخير الوفير لتظهر خيرها لأهلها كما يشتهون وكما فعل غيرهم.
          وقف صابر متأملا لحاله أيرحل وقد اتُهم المصريون بأنهم محرضين أم يلجا للحدود التونسية التى تقارب طرابلس بمائتى كيلومتر، لكن زملاءه فى العمل حضوه على إغلاق بابه عليه حتى نعرف كيف ستأول الأمور. ربما ينخ القائد، أو لعله يوقف المد الهادر لثورة تحاول أن تزيح ثورته الأولى.
 أين يمضى وقد تخوف الرفاق؟ بقى حتى صرح الزعيم أنه ما من مظاهرات، وقد سمع من الأخبار أن الشرق قريب من الانفصال، لكنه يتخوف الرحلة فى فيافى الجماهيرية، التى يتحرك كل شئ فيها الآن فى اتجاه متعارض طبقا لحساباته: فهنا من يقف للسلب لأنها فرصة وهناك من يتشبث بحلم النظام الثالث، وهناك من يدفع بلده للحرية شاعرا أنه هكذا يكون الجهاد.
هو رجل جاء لطلب الرزق من بلده الريفى، وهو يجهل ماهية الصحراء وهدوءها الذى قد يسبق العاصفة، وبرغم مضى سنتين عليه هنا وتعوده على البلد الهادئ، إلا أنه أصبح يحلم بالعودة لبلاده ليقبل الأرض الطينية الحنون التى مهما بخلت بالمال فهى منبع الرزق الحلال و الإحساس بالرسوخ والجذور الممتدة لسابع أرض.
اتفق مع ثلاثة رجال أن يركبوا سيارته جميعا يتعاونون على الطريق ويحملون ما تيسر لهم من زاد ومتاع هاربين من الجحيم الذى أشعله الثائر الأبدى، يحارب به أهل بلده ويضرب تظاهرات لم تسقط ملكه الذى ينكره، لكن قتاله لها جعل هذا الحلم أمل الكثيرين. تشبث صابر بعجلة القيادة مثلما تشبث القائد بجماهيريته، ورافق رجالا بلدياته مثلما حاول القائد أن يستشفع بقبيلته وقبائل متحالفة ليوقف المد الثورى الشاب. أخذ معه مجموعة أدوية للاحتياط، وتذكر وهو يضعها حبوب الهلوسة التى كانت فى حلوق الشباب تدفعهم على أفكار بن لادن ليقتحموا بنغازى. أى هلوسة تلك التى تحمل هذه الجملة اللامنطقية!
 أدار مذياع السيارة ليستمع أخبار الجماهيرية. يعلم أنها تكذب لكن اللجان الشعبية التى سيمرون بها يجب مهادنتها، حينما يقول المذيع أن القائد هو المحارب الأول للإمبريالية، فهو على حق حتى يصلوا للحدود، وهو لم يعط البترول للإمبرياليين إلا ليحاربهم به عند اللزوم.
"لجنة..لجنة." أوقفته الكلمات المتعجلة فأوقف السيارة بفرملة ملفتة للنظر. جاءه رجل بثياب مدنية ليرى هوياتهم ورخصة القيادة وملكية السيارة. أمره بفتح صندوق السيارة وعبث بالأشياء التى يحتويها وأنزل شنطة، ثم أمرهم بالمضى. لا بأس بفقدان جزء من حملنا فهو يخفف الوزن ويزيد السرعة. لم يكن لديهم مجال إلا فى التفكير بهذه الطريقة.
بالقرب من مصراتة المتاريس فى كل اتجاه، والدبابات تعسكر ، لكنهم عبروا مستعينين بقدر من المال. مصراتة من الداخل أشبه بمدينة الأشباح وصوت النيران قليل لكنه لا يتوقف حتى يتردد فى مكان آخر. ودعوها بحزن وعجلة، فهى مجرد محطة لا يتمنون الإطالة بها.
استمروا فى السير وكانت الرحلة حتى الآن قد أخذت منهم عدة ساعات رغم أنها لا تأخذ فى المعتاد إلا ربع هذا الوقت. لا يهم الآن إلا الوصول للحدود وعبورها مهما تكلف الأمر. تبادلوا مقعد القيادة فقاد جاره الذى كان يجلس بجواره ورجع هو للخلف علّه يستريح بسنة من النوم، لكن النعاس جافاه. الطريق مكلوم برجال يقفون جماعات أو متفرقين، وبأسلحة خفيفة وأخرى ثقيلة، وبأناس يوقفونهم عند حواجز شعبية وأخرى عسكرية والمدن متوالية كالعقد الذى يمتلئ بالخرز، ويا له كالجمر الذى يمشى عليه من فقد حذاءه فى يوم مشمس.
ها هى مدينة قريبة من الحدود. توقفوا ليستزيدوا من الوقود، وليستعملوا مرحاض البنزينة. بقى حتى عاد أحد الرجال ثم انصرف لبائع الشاى فأخذ للرجال أربعة أكواب وقدرا من البسكويت. رشفوا الأكواب بهدوء حذر، وحاولوا تذكر أحداث الرحلة، فأخذهم لذكريات بلدتهم الريفية بدلتا مصر. لم يطعموا من البسكويت، فألقاه على تابلوه السيارة، ثم ترك قياد السيارة لمن أتى دوره.
حينما رأوا البوابة العالية تشهدوا بالشهادتين فى نفس واحد: "أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله". هل سيكون الرجال على الحدود أكثر تقبلا لهم. فوجئوا أن الموجودين منهم من ينتمى للثوار، وكانوا مرحبين بالمصريين، وختموا إجراءاتهم بسهولة لم يعد منها بد. عبروا والمذياع يكرر خطاب الزعيم: "إلى الأمام .. إلى الأمام. ثورة. ثورة"    

Tuesday, April 12, 2011

أنا إمعة



رسالة إلى بريد الأهرام بتاريخ 17/2/2011
أبعث إليكم لأفرح مع المصريين، لكننى أريد أن أقول لكم شيئا:
فيما يتعلق بالسياسة، أنا إمعة، لم أكن أهتم بالحزب الوطنى، ولست مهتما بنشاط الإخوان المسلمين بمجلس الشعب، وحينما بدأت الثورة لم أنزل إلا لأننى أحسست بوجود ظلم وقع على الناس: رأيته فى عين جارتنا أم محمود التى أخذوا ابنها لأنه أطال لحيته وأصبح متزمتا أكثر مما اعتدنا فى تفاصيل الدين، حتى أسموه سلفيا، وأنا لا أعرف الفروق بين هذه المسميات للأمانة، لكننى وجدت هذا الشاب الذى طال عوده حتى فاقنا نحن الأكبر منه سنا فى طوله، ثم أطال لحيته لتفوق الحية التى كنا نراها من المتدينين قبل ذلك، وجدته يبكى بكاء مرا لا يستطيع أن يخفيه، بعد عودته لأحضان أمه المكلومة ببعاده، والتى لم تعلم أين ذهبوا به، بعد أن داهموا بيتهم قبل الفجر بأسلحتهم، فروعوهم وأخذوا الشاب اليافع لمكان غير معلوم، ولأمد لا يعرف مداه، لكن الله سلم فعاد بعد أسابيع لكونه شخص عادى خجول لا تجده يصنع شيئا سوى الذهاب لكليته والمسجد. لم أنس نظراته والتى تأكدت بعدما نزل الناس للتحرير ونزل معهم، وحكى لى عما رآه داخل زنزانتهم من إهانة وأذى، ربما كان أقل مما لاقاه غيره ممن يشتبهون أنهم أشد خطرا على الأمن بلحاهم تلك. هذا الظلم دفعنى لأنزل فأعترض على هذا النظام الذى يأخذ الناس بالظن. هذا فقط.
وأنا نفسى ليس لى تعامل سياسى، لكننى كنت يوما بعد يوم أحس بأن أسباب الرزق تضيق وتجعلنا ندور فى ساقية لا تتوقف، ولعل المظاهرات أعطتنا هدنة من الركض الدائب الذى جعلنا ننكفئ على وجوهنا ولا ندرى إلا أننا يجب أن نلبى احتياجات أسرنا من مطعم وملبس ومطالب الدراسة التى ما عادت تنتهى. وها نحن ننزل للشارع قبل أن أذهب التحرير فى المليونيات، لنحرس أبواب بيوتنا وشوارعنا فى لجان شعبية أعادت لنفوسنا شيئا افتقدناه، فها هم الجيران يلتقون عند أبواب بيوتهم فيتعارفوا ويتعاونوا فى أمر مشترك، ولا يحسوا بالخوف وحدهم وهم منعزلين، بل يروا الخطر فيواجهوه مجتمعين، وإذا بنا نمسك شابا معه السلاح، وهو الذى يخاف منا ويركض محاولا الهروب، فتتكتل عليه جموع الناس بالشارع، ويلاحقه الشباب، فيتحول خوفنا أمنا بنزول الشارع، لحمايته، وبتجمعنا فى المساجد لنتفق على أماكن تجمعنا ورديات حراستنا.
صحيح أن السعى على الرزق قد توقف، أو كاد، لكننا كنا نذهب الأيام القليلة لأعمالنا، ونحن نتشوق للرجوع لبيوتنا لمتابعة الشاشة لمعرفة ما استجد، ولست أدرى كيف كان المسؤولون يرون أننا لا نرى إلا الشاشة الحكومية والشاشات كثيرة، على الأقل سنقارن بينها، لكن الله قد أنزل على أبصارهم غشاوة، لكى يصلوا لما وصلوا إليه.
لكننى الآن أجدنى ناظرا للمستقبل الذى أرجو أن يكون خيرا لأبنائى من حاضرى، وأرجو من قادة هذا البلد الكريم على الله أن يبحثوا عن وسائل نشر العدالة لكى لا يظلم أحد فى بلاده فيتركها مجبرا لضيق الأرزاق، ولا هربا ممن يأخذون الناس اشتباها لتدين أو لشكوك فى أنهم يلعبون بالسياسة، التى عشنا سنينا نمنع أبناءنا من أن يقتربوا منها، فإذا بهم يعلمون عنها أكثر مما نعلم نحن. هذا المستقبل الذى يتعجله الكثيرون الآن فينزلون للشارع طلبا لعلاوة أو حافزا حرموه وهم يحسبون أن هذا سيكفيهم والأسعار صاعدة لا تتوقف. لقد اعتدت أن الأسعار لا تقف، والأجور لا تلحق بها، لكننى سمعت من يقول أن الذين يأخذون فى الشهر مليونا هم من جعلوا صغار الموظفين فى فقر وضعف للمرتبات، فما الذى يمنع المسؤولين وقد ذهب من ذهب بأن يهيدوا النظر فى هياكل المرتبات، وما الداعى لكى يقال هذا أساسى وهذه حوافز وهذه مكافئات. إن القطاع الخاص يعطى راتبا على الوظيفة وسنين الخبرة براتب معروف لكل وظيفة، فما المانع من حساب المرتبات بهذه الطريقة البسيطة.
أبعث إليكم برسالتى هذه وأنا أرجو ممن يمسكون بزمام الأمور فى بلادنا أن يلهمهم الله الصواب لصالح أهل البلاد الذين لم يعتادوا أن يصرخوا ليطلبوا حقوقهم، فلا تجعلوهم يستمروا فى الصراخ كثيرا لكى لا تصبح عادة، والسلام ختام.
صبرى المصرى
موظف

رسالة إلى عصفورة



          عزيزى العصفورة،
                             تحية طيبة ثورية، وبعد
أعلم أنك تفاجأت بالأحداث، وحاولت جاهدا السيطرة على مشاعرك المتوجسة من تحركات الشارع الجماعية العاصفة، فلطالما تعودت أن الأمور بيد من يمسك الزمام، ولطالما أكد لك الممسك بالزمام أنه لا يمكن أن يفلت من أيديهم، فلهم فى ذلك فنون تعلموها فى أرق الدول وأقواها، ولكل واحد عندهم ملف وطريقة للتعامل، وهم بذلك يمسكون جميع مفاصل الحياة فى البلاد من أقصاها لأقصاها. ولطالما كان إيمانك بكفاءتهم محل إعجاب يظهر فى عيونك عندما تقابلهم، إعجاب ممزوج بالخوف من أن يقلبوا عليك، وممزوج أيضا بالرغبة فى اقتسام السلطان والسطوة معهم، ولست من النوع العنيف ولا دخلت المعترك من بابهم، لذلك فقد فضلت أن تتدرج تحت حمايتهم وبتوجيهاتهم  لكى تصل يوما إلى مناصب وصل إليها سابقوك، ويا لك من حزين أن الأيام لم تمهلهم ليكافؤوك المكافأة التى تنتظرها، صحيح أنك أخذت منهم مكاسب تكفيك على مشقة الطريق الطويل، لكن الجوائز الكبرى لا زالت آمالا عريضة تتمناها وتجهز نفسك لها، لكن أوامرهم تحيط بك فى صحوك ونومك، حتى أنها بمرور الأيام تجعل منك ألعوبة بأيديهم، لا تستطيع التصرف فى مواقف مفاجئة مثل الأحداث الأخيرة.
          عزيزى العصفورة،
لطالما أعطيتهم تقاريرك الوافية عن زملاء لك تتوجس من أنشطتهم المثيرة للفتن، ولطالما غذوك هم بمعلومات ومبادئ تجعلك ترى المخالفين لهم فى التفكير إما أعداء لمصلحة الأمن القومى للبلاد، أو مغيبين ويحركهم الأوغاد الكبار الذين يمزجون أحلام هؤلاء الشباب فى الحرية أو الشرعية الدينية بمصالحهم التى يمهدون لها ليقلبوا نظام الحكم فى بلادنا الآمنة، التى يضحون هم فيها بأوقاتهم ونزيف قلوبهم، ليمنعوا عنها المكائد والانقلابات. ولا شك أنك لا تزال ترى أنهم صدقوا فها هم الثوريين الفوضويين قد أرغموا أصحاب السلطان على اتباع أوامر ديكتاتورية للجموع ليغيروا ملامح النظام والدني التى عرفتها وخبرتها، فيا لهم من أوغاد لا يؤمنون.
لكننى أطمئنك، فبلادنا لا تزال بلادنا جميعا، إذا كنت ظننت أن الترقى فيها لا يأتى إلا من خلال أبوابهم، فباب بلادك أوسع من بابهم الضيق الذى لا يسع إلا عصافير ومحاسيب وقطيع مغيب أو مستأنس، ولا تزال بلادك تحتاجك، ولكن وفق قواعد جديدة، لا تحتاج لتقارير ولا لحسابات ضيقة تصنف الناس لتعلم كيف ستكون ردود أفعالهم، فترفع أقدارا وتخفض أخرى غير عابئة بما يعتمل فى نفوسهم من إحساس بالغبن وانسحاب العدالة يوما بعد يوم، فهم لم يسمحوا لأحد أن يحاسب وفقا لعمله فقط، بل طبقا لحساباتهم تلك التى أفلحوا فأقنعوك أنها مقدسة وعلوية المصدر. لهفى عليك من مرتبك، لا شك أنك تمر بأزمة تجعل الأمور غائمة أمام عينيك، لكن طب نفسا فلست الأخير الذى يمر بهذا، واحمد الله أنك لم تصبح رأسا فى هذه الأيام الخداعة، وإلا لكنت من المبتورين، لكنك اليوم تستطيع أن ترجع للقواعد الأصلية التى أوهموك أنها قد درست وانمحت: الاحتكام للعمل الجاد المخلص!
أحقا ما أقول، لا شك أنك تنظر لكلماتى وأنت تتعجب، وتساءل نفسك: "هل سينسى من عرفونى ولم يخدعوا أننى كنت عصفورة أكيد لهذا وأضر هذا فى مسار حياته، ويعرف الناس سطوتى المستمدة من هؤلاء المحتجبين فيخافوا نقمتى وبطشتى؟ هل سأستطيع حتى إن نسى الذين أضررت بهم مظالم قلت أو كثرت أن أرجع للكتالوج الأصلى للإنسان، وأنه يقدر حسب عمله فقط؟ وهل سيستطيع عقلى التكيف مع هذا بعد أن اعتدت أن أكسب وأن أعلم قبل الناس ما سيحدث من المطبخ؟ أذكر أننى أخذت تجارب ليست بالجميلة حينما تكتل على مجموعة ممن شايعتهم لأزيح بهم آخرين، فردوا لى الضربة وهم منى قريبون، لست أدرى أفعلوها خوفا أم طمعا؟ لكنها كانت تجارب مريرة لا تترك لى المجال لأن آمن أن العدل سيعود بهذه البساطة التى تحدثنى بها."
أقولها لك صريحة:إن العدل لم يختف، لكنك لم تر يده القادرة الممتدة لتفاصيل الحياة والمختفية فى إمهال الوقت الخداع، فظننته قد ذهب لخطايا الناس الكثيرة، ولم تر مكافآت القدر لهؤلاء الممسكين بأهداب الصواب، ولست أدرى هل البيئة المنزلية تحكمنا فحسب، بل لعل البيئة العملية الفاسدة أشد ضررا علينا من أهلنا ولو كانوا فاسدين. لست أجد الفرصة قد ضاعت منك، فلا تتردد وشارك دونما خداع أو أضاليل مما تعرفها جيدا، فأنت قد رأيت أنها لن تلبث أن تتحطم على صخرة العقاب الإلهى الذى يأتى من المأمن، فمن أمن الجيوش لم يأمن الجموع، ومن أمن الجموع لم يأمن الجيوش، ويالها من تصاريف الحكيم العليم، فهلا اعتبرت.
إمضاء
حريص عليك

Tuesday, March 1, 2011

يسقط عرابى الخائن العميل



جريدة الأيام الغابرة بتاريخ 14 سبتمبر 1903
مانشيت: الدليل على خيانة عرابى
كتب الجورنالجى المشهور فلحوس الشمحطى، مراسلنا ببلاد التاج البريطانى والآستانة، تحت عنوان: كيف أدخل عرابى الإنكليز لمصر
لما كانت هذه الأيام من إحدى عشرة سنة حدث لمصر الحادث الأليم والمصاب الجسيم، فدخل الديار المصرية المحتل الغاشم والمستعمر الأثيم، مقبلا من أعالى البحار، مدعيا حماية الأقليات، ودخل القاهرة بعد أن انتصر على العرابيين ومن شايعهم فى التل الكبير. لكن المفاجأة الخطيرة والعجيبة الباهرة، أن أحمد عرابى الذى خرج على الخلافة ووقف فى وجه الخديو الشرعى لمصر الخديو توفيق أيده الله، كان صنيعة للإنكليز، واتفق معهم فى السر على أن يثير القلاقل ببر مصر، وأن يدعو الناس للخروج على حاكمهم المحبوب، طمعا فى ملك زائل وحياة بالية، ينازعها أهلها وأنى له أن يصل لمبتغاه، فما كان له إلا أن طمح خياله لذلك، فاتصل بالإنكليز، ليكون لهم سندا من حيث يظنه الناس مدافعا عن حقوقهم ومنافحا ضد ظالميهم. لقد اكتشفت وأنا أطالع رسالة أرسل بها القنصل الإنكليزى بمصر للعرش البريطانى، أن عرابى لم يكن مكتفيا بأن يكون أميرالاى بالجيش المصرى بل لقد قابله مرارا وتكرارا أثناء خدمته بمصر آنذاك، وأن الإنكليز حاولوا غوايته تارة بالمال وتارة بإرسالهم غادة حسناء إنجليزية من أصول فرنسية لكى يتخذها عشيقة، فكان للإنكليز ما أرادوا، واستطاعوا ان يحتازوا من عرابى على الولاء الذى ضمن لهم أن يستمر فى غيه وأن يبقى وزيرا للجهادية حتى أتوا على شواطئ الإسكندرية داعين المصريين للتسليم لمطالبهم، فحاربهم مدعيا الدفاع عن مصر، فلما حاربوه كان هو يبعث لهم بالرسائل التى تظهر معايب الجيش المصرى وتجره للهزائم المنكرة. وحينما وصلوا لمبتغاهم ودخلوا القاهرة حاكموه محاكمة صورية ليظهروا للمصريين بطشهم وليُحكموا تدبيرهم فأرسلوه لسرنديب النائية ليعيش بين ربوعها الغناء مع عشيقته الفرنسية، ويترك بنى وطنه يرسفون فى الأغلال، ولا معين لهم. وأنا حينما عرفت هذه الأخبار الخطيرة ورأيت بنفسى مكاتباته لهم، أردت أن أعلم أهل وطنى لكى يحذروا أمثال عرابى هذا الذى لم يراع فيهم إلا ولا ذمة، وسلمهم لعدوهم لقمة سائغة بل كان من المنتفعين بأموالهم والعيش بين ربوع مستعمراتهم فى رغد العيش والمصريين فى إذلال وأسر، فهلا انتفعتم من أحداث الدهر وتصاريفه.
إمضاء: فلحوس الشمحطى