Sunday, July 3, 2011

ثورة ثورة



          
كان آخر من ركب قطار الثورة، ولم يكن قد لحق أوان المعارك الكبرى، فصنع لنفسه معاركه الجديدة فى زمان مختلف، فهو يشعر بأنه زعيم تستدعيه الأحداث. حارب وهادن وحوصر وباغت، لكنه يظل شخصية تستدعى الاندهاش لغرابته، ولهيئته وما تطلق شفتاه من تصريحات. فماذا ينتظر العالم منه وماذا ينتظر هو من القدر؟!
          صحراء هادئة تتهادى فوق رمالها الأشعة الذهبية فى تؤدة لا يقطعها ملل، وآبار متجاورة تتخللها مواسير تقطع الصحراء لآلاف الأميال والكيلومترات، وسيارة تقف بجوار خيمة أصبحت رمزا. أين سيتحول المشهد، وكيف ستنقلب الصحراء المترعة بالخير الوفير لتظهر خيرها لأهلها كما يشتهون وكما فعل غيرهم.
          وقف صابر متأملا لحاله أيرحل وقد اتُهم المصريون بأنهم محرضين أم يلجا للحدود التونسية التى تقارب طرابلس بمائتى كيلومتر، لكن زملاءه فى العمل حضوه على إغلاق بابه عليه حتى نعرف كيف ستأول الأمور. ربما ينخ القائد، أو لعله يوقف المد الهادر لثورة تحاول أن تزيح ثورته الأولى.
 أين يمضى وقد تخوف الرفاق؟ بقى حتى صرح الزعيم أنه ما من مظاهرات، وقد سمع من الأخبار أن الشرق قريب من الانفصال، لكنه يتخوف الرحلة فى فيافى الجماهيرية، التى يتحرك كل شئ فيها الآن فى اتجاه متعارض طبقا لحساباته: فهنا من يقف للسلب لأنها فرصة وهناك من يتشبث بحلم النظام الثالث، وهناك من يدفع بلده للحرية شاعرا أنه هكذا يكون الجهاد.
هو رجل جاء لطلب الرزق من بلده الريفى، وهو يجهل ماهية الصحراء وهدوءها الذى قد يسبق العاصفة، وبرغم مضى سنتين عليه هنا وتعوده على البلد الهادئ، إلا أنه أصبح يحلم بالعودة لبلاده ليقبل الأرض الطينية الحنون التى مهما بخلت بالمال فهى منبع الرزق الحلال و الإحساس بالرسوخ والجذور الممتدة لسابع أرض.
اتفق مع ثلاثة رجال أن يركبوا سيارته جميعا يتعاونون على الطريق ويحملون ما تيسر لهم من زاد ومتاع هاربين من الجحيم الذى أشعله الثائر الأبدى، يحارب به أهل بلده ويضرب تظاهرات لم تسقط ملكه الذى ينكره، لكن قتاله لها جعل هذا الحلم أمل الكثيرين. تشبث صابر بعجلة القيادة مثلما تشبث القائد بجماهيريته، ورافق رجالا بلدياته مثلما حاول القائد أن يستشفع بقبيلته وقبائل متحالفة ليوقف المد الثورى الشاب. أخذ معه مجموعة أدوية للاحتياط، وتذكر وهو يضعها حبوب الهلوسة التى كانت فى حلوق الشباب تدفعهم على أفكار بن لادن ليقتحموا بنغازى. أى هلوسة تلك التى تحمل هذه الجملة اللامنطقية!
 أدار مذياع السيارة ليستمع أخبار الجماهيرية. يعلم أنها تكذب لكن اللجان الشعبية التى سيمرون بها يجب مهادنتها، حينما يقول المذيع أن القائد هو المحارب الأول للإمبريالية، فهو على حق حتى يصلوا للحدود، وهو لم يعط البترول للإمبرياليين إلا ليحاربهم به عند اللزوم.
"لجنة..لجنة." أوقفته الكلمات المتعجلة فأوقف السيارة بفرملة ملفتة للنظر. جاءه رجل بثياب مدنية ليرى هوياتهم ورخصة القيادة وملكية السيارة. أمره بفتح صندوق السيارة وعبث بالأشياء التى يحتويها وأنزل شنطة، ثم أمرهم بالمضى. لا بأس بفقدان جزء من حملنا فهو يخفف الوزن ويزيد السرعة. لم يكن لديهم مجال إلا فى التفكير بهذه الطريقة.
بالقرب من مصراتة المتاريس فى كل اتجاه، والدبابات تعسكر ، لكنهم عبروا مستعينين بقدر من المال. مصراتة من الداخل أشبه بمدينة الأشباح وصوت النيران قليل لكنه لا يتوقف حتى يتردد فى مكان آخر. ودعوها بحزن وعجلة، فهى مجرد محطة لا يتمنون الإطالة بها.
استمروا فى السير وكانت الرحلة حتى الآن قد أخذت منهم عدة ساعات رغم أنها لا تأخذ فى المعتاد إلا ربع هذا الوقت. لا يهم الآن إلا الوصول للحدود وعبورها مهما تكلف الأمر. تبادلوا مقعد القيادة فقاد جاره الذى كان يجلس بجواره ورجع هو للخلف علّه يستريح بسنة من النوم، لكن النعاس جافاه. الطريق مكلوم برجال يقفون جماعات أو متفرقين، وبأسلحة خفيفة وأخرى ثقيلة، وبأناس يوقفونهم عند حواجز شعبية وأخرى عسكرية والمدن متوالية كالعقد الذى يمتلئ بالخرز، ويا له كالجمر الذى يمشى عليه من فقد حذاءه فى يوم مشمس.
ها هى مدينة قريبة من الحدود. توقفوا ليستزيدوا من الوقود، وليستعملوا مرحاض البنزينة. بقى حتى عاد أحد الرجال ثم انصرف لبائع الشاى فأخذ للرجال أربعة أكواب وقدرا من البسكويت. رشفوا الأكواب بهدوء حذر، وحاولوا تذكر أحداث الرحلة، فأخذهم لذكريات بلدتهم الريفية بدلتا مصر. لم يطعموا من البسكويت، فألقاه على تابلوه السيارة، ثم ترك قياد السيارة لمن أتى دوره.
حينما رأوا البوابة العالية تشهدوا بالشهادتين فى نفس واحد: "أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله". هل سيكون الرجال على الحدود أكثر تقبلا لهم. فوجئوا أن الموجودين منهم من ينتمى للثوار، وكانوا مرحبين بالمصريين، وختموا إجراءاتهم بسهولة لم يعد منها بد. عبروا والمذياع يكرر خطاب الزعيم: "إلى الأمام .. إلى الأمام. ثورة. ثورة"    

No comments:

Post a Comment