كائن خيالى حط رحاله على بيوتنا حينما كان أشجعنا يهتفون بسقوط النظام، لملم المتباعدين، وفتح آفاق الوصال بعد الجفاء، وانتظم الرجال فى سلك بديع على كلمة رجل واحد فدعاهم للتقارب والتفكر فى أحوال بلادهم من على ضفاف الرصيف، فشكلوا لجانهم التطوعية وتحاوروا حواراتهم الألمعية، وقالوا فى فم واحد لوضع حاولوا أن يتكيفوا معه: "كفانا منك وكفاك منا"، فإذا بحيلة من أرادوا بهذا الشعب أن يلتهى عنهم أن يتجمع ضدهم، حتى وهو فى مكانه أمام داره لحمايتها، ولو فكر أقوى أمم الأرض بمشاهدة تجربة ميدانية لتجميع شعب نائم، فليس أبلغ لديه من مشاهدة شريط التسجيل بالقمر الصناعى لشوارع مصر فى هذه الليلة وما تلاها من ليالى الحراسة فى اللجان الشعبية.
أوقفنى برفق شديد، وأخبرنى أن الجيش قد طالب الناس بتكوين لجان شعبية لحماية البيوت والشوارع، بعد أن أصدر الحاكم العسكرى أمره بنزول الجيش لحماية المنشآت الحكومية، وبعد انسحاب الشرطة من الشارع، واحتراق الأقسام، فأصبحت البيوت والشوارع مكشوفة للبلطجية وقطاع الطرق والمجرمين، خاصة أنهم قد حازوا قطع السلاح الخفيفة من مسدسات ورشاشات آلية، بل وتصور البعض أنهم قد استولوا على مركبات الشرطة، ولهذه قصة تحكى، فقد رمى طالب ثانوى بزجاجة مولوتوف صنعها شباب اللجنة الشعبية على مركبة مصفحة تخص الشرطة مرت بجوارنا فى الشارع العمومى، القريب من معسكر للأمن المركزى والذى أشيع أن المسجلين والمجرمين قد سطوا على أسلحته، بل وهاجموا بيوتا فى عمارات الشرطة المجاورة له، بل واغتصبوا نساء فى هذه العمارات التى يسكنها ضباط للشرطة!!
أما العجب الذى أثارنا أكثر من كل هذه الحكايات التى ملأت الإعلام وأفواه الناس جميعا، أن قائد المركبة الذى حاول حماية نفسه بإطلاق دفعة أو اثنتين من الرشاش الآلى الذى بيده فى الهواء لتفريق المهاجمين من اللجان الشعبية، ولم يستطع فى النهاية إلا أن يلجأ للمسجد الكبير بمنطقتنا عند صلاة الفجر ليبرز للمصلين هويته كضابط شرطة يعمل بل وهو فى مهمته للحماية، لا مجرد دخيل سطا على أسلحة الشرطة الثقيلة.
هذا الشاب الذى دعانى ودعا غيرى من سكان المنطقة كان شابا لطيفا يعمل بوزارة حكومية وأتى بزوجته ليكونا بجوار أهلها، ولا يظلا وحيدين فى هذه الظروف الملتبسة فى مناطق نائية عن التجمعات السكانية الكبيرة. تعرفت إليه وإلى كثيرين لم أكن أعرف بأشخاصهم وربما وجوههم أيضا كانت غائبة برغم الجيرة. كلنا يجرى خلف لقمة العيش مثلما عودنا نظام بلادنا السابق، فإذا بنزول الجيش وطلبه للناس بتكوين هذه اللجان الشعبية قد أعطانا الفرصة لأن نأخذ هدنة من الكفاح غير المسلح خلف لقمة العيش، ونبدأ الكفاح المسلح نحو خوفنا بتجمعنا ممسكين سكاكين المنازل والعصى الخفيفة والثقيلة، فى محاولة لصد أى هجوم محتمل على البيوت والأهالى الذين تركتهم الشرطة بلا حماية، فإذا بنا نكتشف أنهم قد أعطونا حماية شديدة القوة بنزول هذه اللجان أكثر بكثير من حماية الشرطة التى لم تكن تقوم بدوريات فى شوارع مصر الجانبية، خلال أيام عملهم قبل الثورة، بل لعلها كانت تقوم بدوريات خفيفة تتناسب مع معدل الأمان العالى بمصر تدور فيها فى الشوارع العمومية أو ترسى فى مكان يجاور منشأة هامة أو بنك من البنوك.
أنزل ببالطو يشبه ذاك الذى كان يلتحفه المخبرون قديما، وفى جيبه ساطورا منزليا وفى الآخر شاكوشا، فأجد حراس العقارات مجتمعين مع الشباب، وبعض الشيوخ ومجموعات من المراهقين يتسامرون فى ليالى الشتاء فى يناير، حول نيران صديقة تصلح للتدفئة وتسخين الماء لعمل الشاى، الذى جاءنا من البيوت ومعه مشروبات ومأكولات أخرى يشجعوننا بها. قسمنا الورديات فى أول الليل وآخره حتى موعد التجول، وجلبنا جذوع الأشجار والبراميل القديمة لعمل حواجز شعبية، نوقف السيارات ونرى إثبات الشخصية، ويقوم حاجز بعد حاجزنا بمائة متر أو أكثر بنفس المهمة التى تضجر أى آت بسوء. اتفقنا على عمل علامة للمجموعة لكى لا يندس خارج بيننا، فتعصبنا بعصابة بيضاء حول الرأس.
لكننى اكتشفت أن اللجان الداخلية للشوارع الجانبية لم تكن هى هدف المندسين، بل كانت اللجان الموجودة بالشوارع الرئيسية، والتى كانت تمثل الأماكن الأهم والمحورية لعمل اللجان الشعبية. كنت أتجول لمعرفة أخبار اللجان المجاورة ولأن بها كثيرون ممن أعرفهم منذ أيام الدراسة. وبالشارع العمومى كانت المتاريس الكبيرة والتجهيزات المعقدة، فهذا محل يوجد لدى صاحبه مسدسا جلس به فوق سطحه بالدور الأول من الشرفة، وذاك ضابط من الشرطة وقف ليحمى بيته بنفسه. وزجاجت المولوتوف كانت جزءا من تزجية الفراغ، خاصة للمراهقين الذين يرون فى الأمر معركة تلوح فى الأفق.
المساجد كانت نقاط تجمع وترتيب للأوضاع، ولأماكن حماية الشوارع الكبيرة، والمسيحيين الذين لم نكن نختلط بهم لأنهم قليلون فى منطقتنا أصبحوا زملاء حراسة وتقاربنا منهم بما يكفى لأن نرفض أى تحريض نحوهم. فى لجان الشارع العمومى، رأيت بأم عينى ضباطا بلباس مدنى، ومعهم سلاحهم الشخصى فقط، منهم من أخبرنا أن هناك سيارة إسعاف بها مسلحين، ولما طال الانتظار وكانت تلك الرواية هى السابعة عشر أو ربما العشرين، فقد وصلت لإحساس أنها شائعات هدفها مجرد إخافة اللجان التى تتكاتف أكثر بإحساس الخوف، فهو مفيد لها، خاصة وأن أعداد الفوضويين المأجورين لن تماثل بحال أعداد المتجمعين فى اللجان، وهم يتناقصون بفعل تسليمهم لرجال الجيش لسجنهم بسجن الإدارات العسكرية والسرايا الموجودة بالقرب من كل منطقة.
مع مرور يوم فثان بدأت محلات بفتح أبوابها خلال حظر التجوال فأعطت أمانا للجان وزودتهم ببعض المؤن الخفيفة. ذهبت مع عم لى بالمعاش لنطلع على أحوال اللجان التى بالشارع العمومى، فقابلنا الرجال المختلفين، وتسامرنا حول تاريخ مصر وحاضرها، وما نتمناه لها، وما هى رؤيتنا لردود الأفعال السياسية وما يمكن لأهل السلطان أن يبذلوه لشعبها، فى موقف لا يحسدون عليه. قابلنا من تعاطف مع الرئيس، لكن الكثيرون كانوا يرون العيوب التى تراكمت بفعل طول الأمد، كما أن الشباب كانوا هم الغالبية فى هذه اللجان وهم ينتظرون أفعالا تحدث تغييرا يتشوقون له.
انقلبت كفة التوازن لحساب الرئيس مرة واحدة يوم خطب وقال أنه لم يكن ينتوى الترشح لفترة قادمة، وكان معها استقالة ولده من الحزب الحاكم، فكان أهل الحكمة من كبار السن يرون أننا قد حصلنا على ما لم نكن نحلم به، فبدأ الكثيرون فى الترقب، فإذا بأهل السلطان ومن ناصرهم يذهبون بزفة بلدية يقودها جمل وحصان، مع مجموعة من رماة الحجارة ومهاجمى المعارك الشعبية المتمرسين على جولات الانتخابات، ليفضوا من تبقى بالميدان، وكانت الفضيحة على مرأى ومسمع من العالم أجمع، مما أرجع رجحان الكفة للرافضين ثانية بكل سلاسة وبدون مجهود.
ذات يوم أشيع أن المليونية ستتوجه للقصر الجمهورى، فأشاعت قوات الجيش والشرطة (التى كانت قد بدأت فى التواجد مرغمة مع الجيش) أنها ذاهبة فى خدمة بالقرب من القصر الجمهورى، وأننا مطالبون بحراسة صباحية. اكتشفت فى اليوم التالى أنها كانت محاولة لمنع المتظاهرين من الذهاب للمليونية، وقابلت الراجعين من المليونية مع دخول مواعيد حظر التجول أثناء ساعات الليل. يا للعجب مما نراه يحدث بتلقائية لم نعهدها، وبسرعة لم نتوقعها.
فى اللجنة الشعبية كان يجتمع المدرس حديث الزواج بجوار المحاسب ومندوب توصيل الوجبات للمنازل. الطبيب الكبير مع البناء السابق، ومبرمج الكمبيوتر مع الجناينى مع المحاضر بكلية الهندسة والحاصل على الدكتوراه من أمريكا حديثا، ومدير التسويق مع مندوب المبيعات الآتى من ليبيا حديثا. هذه هى مصر التى سمعنا عنها فى حرب أكتوبر آخر مرة. لقد وصل الأمر أن المجرمين فى بعض الأماكن كانوا قادة اللجنة والمنظمين لقوى الرجال وتحركاتهم، فانقطعت السرقات والجرائم طيلة ثلاثة أسابيع حاسمة فى تاريخ بلادنا الذى ظنناه دخل ماسورة للصرف الصحى فانحشر فيها، فإذا بسيل عذب من الماء الجارى ينهمر من آخر هذه الماسورة المتهالكة ليخرج لنا أفضل ما فى معدن الشعب المصرى.
No comments:
Post a Comment