Tuesday, April 12, 2011

رسالة إلى عصفورة



          عزيزى العصفورة،
                             تحية طيبة ثورية، وبعد
أعلم أنك تفاجأت بالأحداث، وحاولت جاهدا السيطرة على مشاعرك المتوجسة من تحركات الشارع الجماعية العاصفة، فلطالما تعودت أن الأمور بيد من يمسك الزمام، ولطالما أكد لك الممسك بالزمام أنه لا يمكن أن يفلت من أيديهم، فلهم فى ذلك فنون تعلموها فى أرق الدول وأقواها، ولكل واحد عندهم ملف وطريقة للتعامل، وهم بذلك يمسكون جميع مفاصل الحياة فى البلاد من أقصاها لأقصاها. ولطالما كان إيمانك بكفاءتهم محل إعجاب يظهر فى عيونك عندما تقابلهم، إعجاب ممزوج بالخوف من أن يقلبوا عليك، وممزوج أيضا بالرغبة فى اقتسام السلطان والسطوة معهم، ولست من النوع العنيف ولا دخلت المعترك من بابهم، لذلك فقد فضلت أن تتدرج تحت حمايتهم وبتوجيهاتهم  لكى تصل يوما إلى مناصب وصل إليها سابقوك، ويا لك من حزين أن الأيام لم تمهلهم ليكافؤوك المكافأة التى تنتظرها، صحيح أنك أخذت منهم مكاسب تكفيك على مشقة الطريق الطويل، لكن الجوائز الكبرى لا زالت آمالا عريضة تتمناها وتجهز نفسك لها، لكن أوامرهم تحيط بك فى صحوك ونومك، حتى أنها بمرور الأيام تجعل منك ألعوبة بأيديهم، لا تستطيع التصرف فى مواقف مفاجئة مثل الأحداث الأخيرة.
          عزيزى العصفورة،
لطالما أعطيتهم تقاريرك الوافية عن زملاء لك تتوجس من أنشطتهم المثيرة للفتن، ولطالما غذوك هم بمعلومات ومبادئ تجعلك ترى المخالفين لهم فى التفكير إما أعداء لمصلحة الأمن القومى للبلاد، أو مغيبين ويحركهم الأوغاد الكبار الذين يمزجون أحلام هؤلاء الشباب فى الحرية أو الشرعية الدينية بمصالحهم التى يمهدون لها ليقلبوا نظام الحكم فى بلادنا الآمنة، التى يضحون هم فيها بأوقاتهم ونزيف قلوبهم، ليمنعوا عنها المكائد والانقلابات. ولا شك أنك لا تزال ترى أنهم صدقوا فها هم الثوريين الفوضويين قد أرغموا أصحاب السلطان على اتباع أوامر ديكتاتورية للجموع ليغيروا ملامح النظام والدني التى عرفتها وخبرتها، فيا لهم من أوغاد لا يؤمنون.
لكننى أطمئنك، فبلادنا لا تزال بلادنا جميعا، إذا كنت ظننت أن الترقى فيها لا يأتى إلا من خلال أبوابهم، فباب بلادك أوسع من بابهم الضيق الذى لا يسع إلا عصافير ومحاسيب وقطيع مغيب أو مستأنس، ولا تزال بلادك تحتاجك، ولكن وفق قواعد جديدة، لا تحتاج لتقارير ولا لحسابات ضيقة تصنف الناس لتعلم كيف ستكون ردود أفعالهم، فترفع أقدارا وتخفض أخرى غير عابئة بما يعتمل فى نفوسهم من إحساس بالغبن وانسحاب العدالة يوما بعد يوم، فهم لم يسمحوا لأحد أن يحاسب وفقا لعمله فقط، بل طبقا لحساباتهم تلك التى أفلحوا فأقنعوك أنها مقدسة وعلوية المصدر. لهفى عليك من مرتبك، لا شك أنك تمر بأزمة تجعل الأمور غائمة أمام عينيك، لكن طب نفسا فلست الأخير الذى يمر بهذا، واحمد الله أنك لم تصبح رأسا فى هذه الأيام الخداعة، وإلا لكنت من المبتورين، لكنك اليوم تستطيع أن ترجع للقواعد الأصلية التى أوهموك أنها قد درست وانمحت: الاحتكام للعمل الجاد المخلص!
أحقا ما أقول، لا شك أنك تنظر لكلماتى وأنت تتعجب، وتساءل نفسك: "هل سينسى من عرفونى ولم يخدعوا أننى كنت عصفورة أكيد لهذا وأضر هذا فى مسار حياته، ويعرف الناس سطوتى المستمدة من هؤلاء المحتجبين فيخافوا نقمتى وبطشتى؟ هل سأستطيع حتى إن نسى الذين أضررت بهم مظالم قلت أو كثرت أن أرجع للكتالوج الأصلى للإنسان، وأنه يقدر حسب عمله فقط؟ وهل سيستطيع عقلى التكيف مع هذا بعد أن اعتدت أن أكسب وأن أعلم قبل الناس ما سيحدث من المطبخ؟ أذكر أننى أخذت تجارب ليست بالجميلة حينما تكتل على مجموعة ممن شايعتهم لأزيح بهم آخرين، فردوا لى الضربة وهم منى قريبون، لست أدرى أفعلوها خوفا أم طمعا؟ لكنها كانت تجارب مريرة لا تترك لى المجال لأن آمن أن العدل سيعود بهذه البساطة التى تحدثنى بها."
أقولها لك صريحة:إن العدل لم يختف، لكنك لم تر يده القادرة الممتدة لتفاصيل الحياة والمختفية فى إمهال الوقت الخداع، فظننته قد ذهب لخطايا الناس الكثيرة، ولم تر مكافآت القدر لهؤلاء الممسكين بأهداب الصواب، ولست أدرى هل البيئة المنزلية تحكمنا فحسب، بل لعل البيئة العملية الفاسدة أشد ضررا علينا من أهلنا ولو كانوا فاسدين. لست أجد الفرصة قد ضاعت منك، فلا تتردد وشارك دونما خداع أو أضاليل مما تعرفها جيدا، فأنت قد رأيت أنها لن تلبث أن تتحطم على صخرة العقاب الإلهى الذى يأتى من المأمن، فمن أمن الجيوش لم يأمن الجموع، ومن أمن الجموع لم يأمن الجيوش، ويالها من تصاريف الحكيم العليم، فهلا اعتبرت.
إمضاء
حريص عليك

No comments:

Post a Comment